صديق الحسيني القنوجي البخاري
110
فتح البيان في مقاصد القرآن
أي لتخبرن بذلك إقامة للحجة عليكم ، ثم تجزون به وَذلِكَ البعث والجزاء عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ إذ الإعادة أيسر من الابتداء . [ سورة التغابن ( 64 ) : الآيات 8 إلى 13 ] فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ( 8 ) يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 9 ) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ خالِدِينَ فِيها وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 10 ) ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 11 ) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ ( 12 ) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ( 13 ) فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ الفاء هي الفصيحة الدالة على شرط مقدر ، أي إذا كان الأمر هكذا فصدقوا يا كفار مكة باللّه ورسوله محمد صلى اللّه عليه وسلم ، ولم يقل باليوم الآخر على ما هو المناسب لقوله : زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا [ التغابن : 7 ] اكتفاء بقوله : وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا فإنه مشتمل على البعث والحساب ، وهو القرآن ، لأنه نور يهتدى به من ظلمة الضلال وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ لا يخفى عليه شيء من أقوالكم وأفعالكم ، فهو مجازيكم على ذلك : يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ العامل في الظرف لتنبؤن قاله النحاس : وقال غيره : هو خبير ، وقيل : محذوف هو اذكر ، وقال أبو البقاء : هو ما دل عليه الكلام أي تتفاوتون يوم يجمعكم ، قرأ الجمهور بفتح الياء وضم العين وروي إسكانها ولا وجه لذلك إلا التخفيف وإن لم يكن هذا موضعا له كما قرىء في وَما يُشْعِرُكُمْ بسكون الراء ، وقرىء نجمعكم بالنون ومعنى لِيَوْمِ الْجَمْعِ ليوم القيامة ، فإنه يجمع فيه أهل المحشر للجزاء ، ويجمع فيه بين كل عامل وعمله ، وبين كل نبي وأمته ، وبين كل ظالم ومظلومه ، وبين الأولين والآخرين من الإنس والجن وجميع أهل السماء ، وأهل الأرض . ذلِكَ يعني أن يوم القيامة هو يَوْمُ التَّغابُنِ وذلك أنه يغبن فيه بعض أهل المحشر بعضا فيغبن فيه أهل الحق أهل الباطل ، ويغبن فيه أهل الإيمان أهل الكفر ، وأهل الطاعة أهل المعصية ، ولا غبن أعظم من غبن أهل الجنة أهل النار عند دخول هؤلاء الجنة وهؤلاء النار ، فتركوا منازلهم التي كانوا يستنزلونها ، لو لم يفعلوا ما يوجب النار ، فكأن أهل النار استبدلوا الخير بالشر ، والجيد بالرديء ، والنعيم بالعذاب ، وأهل الجنة على العكس من ذلك يقال : غبنت فلانا إذا بايعته أو شاركته ، فكان النقص عليه ، والغلبة والغبن فوت الحظ ، كذا قال المفسرون ، فالمغبون من غبن أهله ومنازله في الجنة فإطلاق التغابن على ما يكون فيها إنما هو بطريق الاستعارة ،